ابن حزم

347

رسائل ابن حزم الأندلسي

لا نسرّ « 1 » هذا بل نعلنه ، ولا يمكن الطالب « 2 » إبطال قولنا في ذلك ، إلى اللّه تعالى نشكو ، وإياه نستحكم لا سواه ، لا إله إلا هو . وأما الحد الأصغر الذي لا « 3 » ينبغي للعاقل أن [ 90 ظ ] يقصر دونه فلينظر الوقت الذي ينفرد فيه « 4 » للفضول من الحديث الذي لا يجدي « 5 » مع جيرانه أو القعود متبطلا بلا شغل لا من عمل أخرى ولا من عمل دنيا ، أو حين مشيه في الأرض مرحا ، وقد نهاه خالقه تعالى عن ذلك ، فليجعل هذه الأوقات « 6 » للتعلم والنظر في العلوم التي قدّمنا ورياضة طبعه على العدل الذي هو أسّ كل فضيلة ، فإن العدل يقتضي أن لا يميل لقول على قول إلا ببرهان واضح ، ويقتضي له أيضا أن لا يشتغل بالأدنى ويترك الأفضل ، فإنه إن فعل هكذا أو شك أن يظفر بما فيه الفوز في الدارين . وأما الأوقات التي يشتغل فيها أهل الجهل إما باللذات بالمعاصي ، وإما بظلم الناس في أموالهم ، والسعي بالفساد في سياستهم ، والنيل من أعراضهم ، والجور عليهم ، فإن اشتغالهم بالأمراض المؤلمة لأنفسهم المؤذية لأبدانهم أعود عليهم من ذلك وأفضل ، فكيف الاشتغال بالعلوم المؤدية إلى خير الدنيا وفوز الآخرة ؟ وقد قال الواحد الأول : إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ( فاطر : 28 ) وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « من يرد اللّه به خيرا يفقهه في الدين » « 7 » ولا فقه إلا بمعرفة ما ذكرنا والإشراف عليه . فمن حرم ما ذكرنا « 8 » فما أخوفنا عليه أن يكون اللّه عزّ وجل لم يرد به خيرا ، نعوذ بالله من ذلك لأنفسنا ولأبنائنا ولإخواننا ولكل أهل « 9 » الخير والفضل ، وما توفيقنا إلا بالله عزّ وجل .

--> ( 1 ) س : نستر . ( 2 ) م : المطالب . ( 3 ) لا : سقطت من س . ( 4 ) س : به . ( 5 ) س : يجرى . ( 6 ) م : الأقوات . ( 7 ) الجامع الصغير 2 : 183 . ( 8 ) س : ذكرت . ( 9 ) س : وأهل .